لقاء مع الدكتور محمد الفيلي
خبير دستوري

ما معنى كلمة دستور؟ وما مفهومه؟
الدستور كلفظ مأخوذ من اللغة الفارسية وهو يعني القياس أوالوزن، ولايزال اللفظ يستخدم في بعض المهن مثل البناء لوصف أداة قياس الاستقامة.
وتستخدم بعض البلاد العربية تعبير القانون الأساسي أو النظام الأساسي، وإن كان تعبير الدستورهو الأكثر شيوعاً. ولعل تعبير نظام أو قانون اساسي يعكس صورة اوضح لمعنى الدستور:
أ - فهو قانون بمعنى نص واجب الاحترام ويترتب على مخالفته جزاء محدد، ونلاحظ في هذا الصدد أن فعلية إيقاع الجزاء ترتبط في واقع الحال بدرجة تنظيم الجماعة وتطوها.
ب - وهو أساسي بمعنى تحديد هيكل الدولة فالدولة في نهاية المطاف كائن اعتباري وليس طبيعي وهي في ذلك مثل الشركة والجمعية يلزم تحديد أسلوب عملها وتحديد من يمثلها وتحديد اختصاصاته ووظائفه. واعتبار الدستور القانون الاساسي يقود بطبيعة الحال إلى جعله في أعلى درجات الهرم التشريعي، فهو الذي يرسم للسلطات وظائفها واختصصاتها بما في ذلك السلطة التشريعية، ولذلك فإن السلطة التي تضع الدستور هي السلطة التأسيسية وبقية السلطات هي سلطات مُؤسَسَه. ولا يجوز للسلطة أن تضع قانون يخالف الدستور.
ما هي الدساتير التاريخية أو النصوص الرئيسية التي يستند عليها دستور الكويت والتي على مثالها تمت كتابته؟
تعكس النصوص الدستورية نوعين من التأثير في العادة: ماضي الدولة التي وُضع فيها النص، والنصوص المقارنة الموجودة وقت وضع الدستور. ولم يشذ الدستور الكويتي عن هذا الأصل المنطقي، فنجد فيه حلولاً تعكس أحكاما ومماراسات في التاريخ السياسي الكويتي مثل اقتراح ثلاث مرشحين لولاية العهد (وثيقة 1921)، كما أن بعض الحلول هي اثر غير مباشر لممارسات سابقه، ففي وثيقة 1921 كان الشعب هو الذي حدد ثلاثة أسماء كي تختار أسرة الصباح واحداً منهم، فتم تبني هذة الآلية معكوسة في دستور 1962. ووجود أعضاء الأسرة الحاكمة في الوزارة، مع مخالفته للتقاليد البرلمانية في الدول الملكية، هو امتداد لواقع ترأس أعضاء الأسرة الحاكمة للدوائر( الوزارات بالمفهوم الحالي) قبل الاستقلال. وأعتقد أن النظرة الحذرة للنظام البرلماني التقليدي تجد لها تفسيراً في النظام الذي اخذ به دستور1938، فهي رد فعل ناتج عنه إلى حد ما.
إلى جانب تأثر واضعي الدستور الكويتي بالتاريخ الدستوري الكويتي فإنهم تأثروا بلا شك بالتجارب الدستورية المحيطة بهم. والمذكرة التفسيرية للدستور تتضمن في أكثرمن موضع الإشارة للتجارب الدستورية المقارنة. والمعلومات المتوفرة تؤكد بأن الفريق الفني الذي كان يساند الحكومة والمجلس التأسيسي كان يعمل تحت نظرة عدداً من النصوص الدستورية أهمها نص دستوري 1923 و1930 في مصر، ومجموعة النصوص الدستورية للجمهورية الثالثة في فرنسا. بالإضافة للنصوص الدستورية المقارنة فإن أعضاء المجلس التأسيسي حاولوا أن يفهموا الحلول المأخوذ بها في النظم الدستورية المقارنة، ومما يُحمد لهم أنهم لم يفتوا في ما لا يعلمون وطلبوا من المستشارين إعداد دراسات توضيحية تشرح ولو بشكل موجز هذه الأنظمة، وقد فرأوها وأخذوا موقفاً بناءً على ذلك، فهم طلبوا مذكرة توضح ما هو نظام برلماني وماهو نظام رئاسي كي يستطيعوا تقرير أي النظامين أصلح لهم.
ما هي المبادئ والقيم الأساسية التي تمثل الركائز التي يقوم عليها دستور الكويت؟
وُضع دستور 1962 بأسلوب العقد، فقد تم إعداده بواسطة مجلس منتخب وعُرض على الأمير للتصديق عليه، علماً بأن الوزراء غير المنتخبين أعضاء في المجلس وقد شاركوا في النقاش دون التصويت. ومن المنطقي أن يعكس هذا الدستور عددا من المبادئ والقيم التي أثرت في محتواه:
اً- المشاركة الشعبية: المشاركة بين الحاكم والشعب في اتخاذ القرار وتنفيذه قيمة قديمة قِدم وجود الكيان السياسي في الكويت، فاختيار أول حاكم عام 1756 كان بترشيح من الشعب وقبول من الحاكم، وقد استمرت هذه الممارسة من بعد ذلك مع و جود فترات مد وجزر في هذه الممارسة. ومظاهر المشاركة في دستور 1962 متعددة بدءً بأسلوب وضعه، ويمكن أن نسجل عدد من مظاهر تبني الدستور لفكرة المشاركة:
- أسلوب اختيار الحاكم في الظروف العادية قائم على أساس أن يقدم الأمير مرشحاً ويتأكد الترشيح بعد إقرار مجلس الأمة له، فإن رفض المجلس يقدم الأمير ثلاثة مرشحين. أما في الظروف الاستثنائية عند خلو مسند الإمارة دون آن يكون هناك ولي للعهد فإن مجلس الأمة يختار الأمير مباشرة بعد ترشيح مجلس الوزارة.
- وجود مجلس منتخب يمارس سلطه التشريع والرقابة على التنفيذ إلى جوار حكومة يتم تعينها من قبل رئيس الدولة.
- تعديل الدستور يتم بالاتفاق بين المجلس المنتخب ورئيس الدولة ولا يستطيع أي من الطرفين الانفراد بالقرار.
ب- الحداثة والمعايير الدولية: ديباجة الدستور تكشف عن هاجس وضع دستور حديث وهاجس الدخول في المجتمع الدولي. نلاحظ أن الحداثة بذاتها قيمة مطلوبة تحرص الوثائق السياسية في دول العلم الثالث على ذكرها و هذا الأمر يكشف في اعتقادي عن الإحساس بعدم كفاية أساليب الحكم القائمة في هذه الدول لمواجهة احتياجاتها السياسية. بالإضافة إلى ما سبق فإن الكويت كانت محتاجه لتبني أدوات تنظيمية حديثة كمطلب لدخولها للساحة الدولية، ولذلك فإن الأعمال التحضيرية للدستور تشير بوضوح إلى ضرورة تبني المعايير الدولية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كمقدمة ضرورية لقبول انضمام الكويت للأمم المتحدة.
ج- العروبة والإسلام: الإحساس بالهوية القومية والانتماء الديني دفع واضعي الدستور لتسجيل هذا الأمر في صُلب الدستور ابتداء من مادته الأولى والثانية. ولم يقف هذا الأمر عند هذا الحد فاستخدام المُشرّع الدستوري أسلوب النصوص التوجيهية كي يشير إلى أهميه تدخل الدولة في دعم الهوية القومية والانتماء الديني، فقرر في المادة التاسعة بأن الدين من مقومات الأسرة، وقرر أيضا أن "تصون الدولة التراث الإسلامي والعربي ...". ويستخدم المشرع أيضا بعض تعابير القانون العام الإسلامي عند صياغته لبعض الأفكار فيستخدم لفظ "البيعة" مثلاً. وبالرغم من الوزن الذي يقرره الدستور للهوية القومية والانتماء الديني فإننا نسجل عدد من الملاحظات:
- فكرة القومية والدين لا تمنع المشرع من تبني أسلوب الدولة الوطنية بالمفهوم السائد في القانون المقارن، فحقوق المواطنين لا يربطها الدستور بالانتماء الديني أو القومي.
- تحديد الإسلام كدين للدولة غير مربوط بمذهب من المذاهب كما أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي وليس وحيد للتشريع. ووجود فكرة الدين الرسمي للدولة لم تمنع المشرع الدستوري أن يقرر في المادة السادسة من الدستور بأن " نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمه مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور".
تقول مصادر تاريخية عدة بأن دستور الكويت حين إقراره عام 1962 لم يكن يمثل منتهى الآمال أو التوقعات، بل كان من المقرر أن يتم تعديله وتطويره نحو مزيد من الحريات وحقوق المواطنة، إلا أن وفاة المغفور له بإذن الله الشيخ عبدالله السالم وما أعقبها من ظروف سياسية حرجة حالت دون النظر في تعديل الدستور نحو الأفضل، ما تعليقك على هذا الرأي؟ وما هي المواد التي كان سيتم إعادة النظر فيها لو سنحت الفرصة؟
أسلوب وضع الدستور الكويتي قاد الى توافقية أو توفيقية في محتواه. فوجود أطراف متعددة لا تملك أي منها من القوة والتأثير ما يسمح بفرض تصورها المنفرد قاد إلى البحث عن حل يسمح بظهور الدستور إلى النور دون حسم النزاع في مسائل الخلاف، وقد تم تبني عدد من الحلول في هذا الصدد:
أ- تقدير الحد الأدنى مع ذكر الاستحباب: وهذا واضح في أسلوب تشكيل الحكومة، فالأصل في النظام البرلماني أن تشكل الحكومة من الأغلبية النيابية فقط، وهذا الأمر لم يكن مقبولاً بالنسبة للأسرة الحاكمة وتقريره يُشكل نقله حادة جداَ، فلا ننسى بأن الوزارة قبل الاستقلال كانت مكونة فقط من الأسرة الحاكمة ( كانت الوزارات تُسمى دوائر)، وهذا الموضوع قد استهلك وقتاً طويلاً من النقاش داخل لجنة الدستور، وقد تم التوصل إلى الصيغة التالية وهي أنه يلزم أن تضم الوزارة على الأقل عضواً واحداً من البرلمان وعضواً من خارج البرلمان، وتعبر المادة 56 عن هذة الفكرة عبر تقريرها أن "يكون تعيين الوزراء من أعضاء مجلس الأمة من غيرهم "، ومن بعد هذا التقرير تضع المذكرة التفسيرية تبريراً لهذا الحل، باعتباره مخلفاً للأصل، بالقول بأن عدد أعضاء البرلمان قليل، وأن هناك كفاءات خارج البرلمان من ضمنهم أعضاء الأسرة الحاكمة، وهم لا يستطيعون أن يكونوا أعضاء فيه لأنهم محرمون من حق الترشيح. وبعد كل المبررات لهذا الاختيار تُقرر المذكرة التفسيرية بأن تطور الأمور في المستقبل يقود إلى "التوسع قدر المستطاع في جعل التعيين من داخل مجلس الأمة"، إذاً تعيين أحد أعضاء مجلس الأمة في الوزارة واجب ولكن التوسع في هذا التعيين مستحب.
ب- ترحيل الحل إلى المستقبل: وهذا الأمر واضح في الموقف من الأحزاب السياسية، فالمذكرة التفسيرية وهي بصدد عرض حكم المادة 43 من الدستور تبرر عدم النص على " الهيئات" كي لا يكون انتشار الأحزاب حرية مقررة في الدستور، ثم تقرر من بعد ذلك ان عدم إيراد لفظ "الهيئات" لا يعني منع انتشار الأحزاب في المستقبل، ولكن يترك هذا الأمر للمشرّع العادي يقرره في المستقبل.
ج- تقرير الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه: وهذا الأمر خاص بالطبيعة الوراثيه للحكم والحقوق والحريات، والأخيرة كما تقر المادة 175 من الدستور هي الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، وبالتالي فإن أي تعديل في مجال الحريات لا يكون مقبولاً ما لم يكن بالمزيد من ضمانات الحرية والمساواة.
أما عن السؤال عن النصوص المرشحة للتعديل أو المطروحة للتعديل في المستقبل وقت وضع الدستور، فالروايات التاريخية غير متطابقة، ولكن الأعمال التحضيرية وما ورد في المذكرة التفسيرية يكشف بوضوح بأن بعض الأحكام وُضعت على ضوء المعطيات التي كانت قائمه وقت وضع النص، وتغيير هذه المعطيات يقود منطقياً إلى وجوب تغيير النص. والمثال الجيد لذلك هو تحديد عدد أعضاء مجلس الأمة، فقد رفض ممثل الحكومة في لجنه إعداد الدستور، الشيخ سعد العبد الله وزير الداخلية آنذاك، قبول اقتراح جعل عدد أعضاء مجلس الأمة مائة عضو، لأن عدد السكان آنذاك لا يسمح بذلك، وهذا يعني وجوب ربط زيادة ربط عدد أعضاء مجلس الأمة بزيادة عدد المواطنين. إذ أن المنطق الذي حكم مضمون النص هو بذاته يقود إلى تعديله.
أما نص المادة 56 فإن ما ورد في الأعمال التحضيرية وما ورد في المذكرة التفسيرية يوحي بأن النص تم فرضه دون وجود اقتناع منطقي بمضمونه، ولذلك تقدم المذكرة التفسيرية كثيراً من التبريرات، كما أن بعض هذه المبررات هش جداً، فقلة عدد أعضاء مجلس الأمة أتى مبرِّراً لعدم إلزام أن يكون الوزراء منه، كلية او في حال غالبيتهم، غير مفهوم ما دام تحديد العدد قم تم تقريره من قبل واضع النص ذاته.
والقول بمنع أعضاء الأسرة الحاكمة من الترشيح لعضوية مجلس الأمة نأيا بهم عن التجريح لا يتسق مع فتح باب التوزير أمامهم، فالوزير مُعرض للتجريح أكثر من عضو مجلس الأمة. وكل هذا أعطى مصداقية للروايات التي تتكلم عن النية لتعديله في المستقبل عند وضع الدستور، ولكن هذه النية تبقى حساباً سياسياً لم يقدم الواقع أي تأكيد له.
تم تعليق العمل بالدستور أكثر من مرة منذ الاستقلال، كيف ترى تأثير هذا التعليق على مكانة الدستور ودوره كممثل للشرعية الوطنية؟
التجارب السيئة عنصر من عناصر تقرية الحياة السياسية والدستورية، وقد ثبت من خلال التجربتين المشار إليهما، وقد استمرت كل منهما ما يقارب الأربعة سنوات، أن غياب المجلس لم يرتبط به تسريع أو تحقيق تنمية. وأسوء من ذلك فإن غياب الرقابة في المرة الأولى ارتبط بكارثة سوق المناخ وفي المرة الثانية تم تتويج غياب الرقابة بالغزو.
من وجهة نظرك، ما هو الخطر الأكبر الذي يتهدد بقاء الدستور وتفعيله؟
إضعاف المواطنة من خلال عدم توفير الحقوق المقررة للمواطن بصفته مواطن، ودفعه للبحث عن الحماية عبر أطر أخرى مثل الطائفة أو القبيلة.
كيف تعامل الدستور مع موضوع الديمقراطية وتداول السلطة؟
يُعلي الدستور من مقام الديمقراطية، فتقرر المادة السادسة منه وهي جزء من الباب الأو ل أن "نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور". ويتبين من مطالعة بقية النصوص بأن الديمقراطية التي أخذ بها الدستورهي ديمقراطية نيابية.
وإلى جوار الديمقراطية المؤسساتية يفتح الدستورالباب أمام الحريات العامة كي تقود لإفساح المجال للرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني بهدف ممارسة رقابه شعبية على مؤسسات الحكم المنظمة. أما عن تداول السلطه فنلاحظ أن المدخل الذي رسمه الدستور لذلك هو دورية انتخابات مجلس الأمة، فهذة الدوريه تفتح الباب أمام أمرين، الأول مباشر وهو جعل المجلس معبراً عن إرادة الأمة وغير بعيد عنها، والثاني هو إعادة تشكيل الوزارة بعد انتخاب المجلس الجديد (م 57)، والغرض من ذلك هو أن تأتي الوزارة متناغمهً مع التوجهات التي كشفت عنها انتخابات مجلس الأمة.
الهيئة الإدارية I ممثلين الإتحاد I اتصل بنا I عن الإتحاد
دليل المستجدين I أنشطة المدن I اللجنة الطلابية I ألبوم الإتحاد I الإتحاد في الصحف I أرشيف الإتحاد I مركز الخدمات I شكاوي و اقتراحات
All contents Reserved 1999-2009 NUKS.org All rights reserved
Designed by NUKS Media Committee